سيد قطب
3378
في ظلال القرآن
هذا الكوكب الذي نعيش عليه معرض هائل لآيات اللّه وعجائب صنعته . معرض لم نستجل منه حتى اللحظة إلا القليل من بدائعه . ونحن نكشف في كل يوم جديدا منه ، ونطّلع منه على جديد . . ومثل هذا المعرض ، معرض آخر مكنون فينا نحن . . النفس الإنسانية . . الخفية الأسرار ، التي تنطوي فيها أسرار هذا الوجود كله ، لا أسرار الكوكب الأرضي وحده ! وإلى هذين المعرضين الهائلين تشير الآيتان تلك الإشارة المختصرة ، التي تفتح هذين المعرضين على مصاريعهما لمن يريد أن يبصر ، ولمن يريد أن يستيقن ، ولمن يريد أن يملأ حياته حتى تفيض بالمتعة والمسرة ، وبالعبرة الحية ، وبالرصيد القيم من المعرفة الحقة ، التي ترفع القلوب وتضاعف الأعمار ! والنصوص القرآنية معدة للعمل في جميع الأوساط والبيئات والظروف والأحوال . قادرة على إعطاء رصيد معين لكل نفس ولكل عقل ولكل إدراك . كل بقدر ما يتقبل منها وما يطيق . وكلما ارتقى الإنسان في المعرفة ، واتسعت مداركه ، وزادت معلوماته ، وكثرت تجاربه ، واطلع على أسرار الكون وأسرار النفس . . ارتقى نصيبه ، وتضخم رصيده ، وتنوع زاده الذي يتلقاه من نصوص القرآن . . هذا الكتاب الذي « لا تنفد عجائبه ، ولا يخلق على كثرة الرد » كما يقول عنه النبي الذي تلقاه واستوعب أسراره ، وعاش بها . يقول عن تجربة حية وجدها في نفسه فعبر عنها ذلك التعبير - صلوات اللّه وسلامه عليه - . ولقد وجد الذين سمعوا هذا القرآن أول مرة من آيات اللّه في الأرض وآياته في النفس ، نصيبهم ، وتسلموا رصيدهم ، وفق معارفهم وتجاربهم وإشراقات نفوسهم . ووجد كذلك كل جيل أتى بعدهم نصيبا يناسب ما تفتح له من أنواع العلوم والمعارف والتجارب . ونجد نحن نصيبنا وفق ما اتسع لنا من رقعة العلم والمعرفة والتجريب ، وما تكشف لنا من أسرار لا تنفد في هذا الكون الكبير . وستجد الأجيال بعدنا نصيبها مدخرا لها من الآيات التي لم تكشف لنا بعد في الأرض والنفس . ويبقى هذان المعرضان الإلهيان الهائلان حافلين بكل عجيب وجديد إلى آخر الزمان . هذه الأرض . هذا الكوكب المعد للحياة ، المجهز لاستقبالها وحضانتها بكل خصائصه ، على نحو يكاد يكون فريدا في المعروف لنا في محيط هذا الكون الهائل ، الحافل بالنجوم الثوابت والكواكب السيارة . التي يبلغ عدد المعروف منها فقط - والمعروف نسبة لا تكاد تذكر في حقيقة الكون - مئات الملايين من المجرات التي تحوي الواحدة منها مئات الملايين من النجوم . والكواكب هي توابع هذه النجوم ! ومع هذه الأعداد التي لا تحصى فإن الأرض تكاد تنفرد باستعدادها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته . ولو اختلت خصيصة واحدة من خصائص الأرض الكثيرة جدا لتعذر وجود هذا النوع من الحياة عليها . . لو تغير حجمها صغرا أو كبرا ، لو تغير وضعها من الشمس قربا أو بعدا . لو تغير حجم الشمس ودرجة حرارتها . لو تغير ميل الأرض على محورها هنا أو هنا . لو تغيرت حركتها حول نفسها أو حول الشمس سرعة أو بطأ . لو تغير حجم القمر - تابعها - أو بعده عنها . لو تغيرت نسبة الماء واليابس فيها زيادة أو نقصا . . . لو . لو . لو . . . إلى آلاف الموافقات المعروفة والمجهولة التي تتحكم في صلاحيتها لاستقبال هذا النوع من الحياة وحضانته . أليست هذه آية أو آيات معروضة في هذا المعرض الإلهي ؟ ثم . هذه الأقوات المذخورة في الأرض للأحياء التي تسكنها . تسكن سطحها ، أو تسبح في أجوائها ، أو تمخر ماءها ، أو تختبئ في مغاورها وكهوفها ، أو تختفي في مساربها وأجوافها . . هذه الأقوات الجاهزة المركبة والبسيطة والقابلة للوجود في شتى الأشكال والأنواع لتلبي حاجة هذه الأحياء التي لا تحصى ، ولا تحصى أنواع